فوزي آل سيف
84
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
ويظهر أن هذه القاعدة كانت معروفة حتى عند السلاطين، وربما كان يمكن إلزامهم بها في بعض الحالات، مثل ما يستفاد من الحوار[182] الذي جرى بين الامام موسى الكاظم عليه السلام وبين هارون الرشيد العباسي. فإنه قال الإمام له: "الْمَجَالِسُ بِالأمانات، وَخَاصَّة مَجْلِسُكَ". فقال هارون: لا بأس عليك. بمعنى: أن هذا الكلام لن أذهب به إلى القضاة، لن أدينك به، لن آخذه عليك وثيقة عليك.. ويستنتج من هذه الروايات، أن الأصل في المجالس أنه لا يجوز إفشاء ما لا يرضى به أهل المجلس. سواء أخبروا بذلك أو كان طبيعة المجلس أو الكلام الذي يجري فيه هو مما يُكتم. فلا يجوز لمن حضر ذلك المجلس فضلا عن غيره أن يبثه وينشره عن أصحابه أو بعضهم، ما لم يكن بإذن صاحب الكلام نفسه! إلا في بعض الموارد المستثناة والتي تقدم ذكرها.(إلا أن يكون قد سفك فيه دم حرام، أو مجلس استحل فيه فرج حرام، أو مجلس يستحل فيه مال حرام) فإن هذه القاعدة إنما شرعت لحفظ الحقوق فلا يجوز أن تكون سببا لتضييع حقوق أكبر واعظم! هل يقتصر الأمر على المجالس بعنوانها الخاص: ويظهر أنه لا توجد خصوصية للمجلس بعنوانه المحدد، بل يشمل الحكم المكالمات الهاتفية والمكاتبة بين الأفراد. فلو كلمه مكالمة تلفونية، وسجلها الآخر صوتيا فهل يجوز له أن ينشرها مثلا على الإنترنت؟. لا يجوز ذلك إذا كان ذلك الحديث مما يكتمه صاحبه ولا يرضى بنشره! ما لم يدخل ضمن العناوين السابقة المستثناة. ومما سبق يتبين أنه يدخل في هذا الإطار من منع إفشاء الخصوصيات، كل من له طريق إلى الاطلاع على أسرار الناس ولا يرضون بإفشائها فالطبيب، وهو مطلع عادة على أسرار الناس من الناحية البدنية، فقد يأتيه شخص مثلا وعنده مرض في المسالك البولية أو القدرة الجنسية، مما يكره المريض إعلانه وإفشاءه، فلا يصح من الطبيب أن يعلن عنه في المجتمع، وفي جلساته! بل حتى في غير هذه الأمراض! وكتمان ما يرتبط بمرض المريض أصبح بروتكولا يقسم عليه الأطباء، منذ أن ورد ـ كما قيل ـ في قسم أبوقراط إلى أيامنا المعاصرة. بل قد يشمل سائر الموارد التي يكره المؤمن الاعلان عنها، مثلما لو كان لدى شخص اطلاع على الحساب المالي لآخر مثل من يعملون في حسابات البنوك، فلا يكون من السائغ أن يكشف ذلك للآخرين! وهكذا مثل العالم الذي يجري حساب الخمس لهذا الشخص أو ذاك، فيقوم بالإخبار عنه بأنه يملك من الأموال كذا وكذا!
--> 182 ) نقله الطبرسي في الاحتجاج 2/ 163، وجاء فيه أن هارون سأل الإمام موسى: اخبرني لم فضلتم علينا ونحن وأنتم من شجرة واحدة، وبنو عبد المطلب ونحن وأنتم واحد، أنا بنو عباس وأنتم ولد أبي طالب، وهما عما رسول الله صلى الله عليه وآله وقرابتهما منه سواء؟ فقلت: نحن أقرب. قال: وكيف ذاك؟ قلت: لأن عبد الله وأبا طالب لأب وأم، وأبوكم العباس ليس هو من أم عبد الله ولا من أم أبي طالب.. إلى أن سأله عن سائر جهات تفضيل الامام علي على جدهم العباس، وقال: زدني يا موسى!! قلت: المجالس بالأمانات وخاصة مجلسك. فقال: لا بأس به. فقلت: إن النبي لم يورث من لم يهاجر، ولا أثبت له ولاية حتى يهاجر.. إلى آخر ذلك الحوار!